نظمت إذاعة القرءان الكريم وقناة المحظرة الندوة العلمية الحادية عشرة وقد استضافت الندوة فضيلة الإمام العلامة المجدد عبد الله ولد المحفوظ ولد بيه حفظه الله حول فكر التجديد والترشيد.
بدأت فعاليات الندوة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم
تلتها كلمة الإفتتاح مع معالي وزير الإتصال والعلاقات مع البرلمان الأستاذ سيد محمد ولد محم حيث أكد أن منطلق الأمانة التي أنطنا بها كأمة وسط شاهدة على الناس في كل عصر ومدركة مضامين الشهادة على الناس كأمانة ومسؤولية تكليفا من ربنا عز وجل، وبما أن هذه الأمانة مسؤولية شرعية راسخة فهي عمل تراكمي يراكم تجارب الناس والأنبياء والمصلحين وأثرهم في حياة الناس حضارة وقيما وعقائد.
ومن هذا المنطلق يضيف معالي وزير الإتصال فقد مارس الموريتانيون عبر قرون عديدة هذه المهمة الشاقة رغم شح الوسائل ووعورة الطريق، فأنتجوا في هذا المناخ القاحل علوما وحضارة قلبت معادلات علماء الإجتماع الذين تصورا أن الحضارة بنت العمران.
وتواصلا مع ذلك الماضي العريق نؤسس اليوم لتجربة جديدة تشكل استمرارا لشهادة الموريتانيين الممتدة عبر العصور، مستخدمة وسائل العصر ومفرداته ومخترقة الفضاء حاملة مشاعل النور والهداية إلى طريق الله التي هي الصراط المستقيم.
وإدراكا عميقا من رئيس الجمهورية لهذه المعاني وتجسيدا لها فقد أولى العناية الكبرى لكل ما يحقق لهذا السير التاريخي غاياته، فكان إنشاء إذاعة القرءان الكريم الإطار الناظم لهذا الجهد وهذا التوجه الذي كلل بتدشين قناة المحظرة التي نطمح من خلالها إلى قطع أشواط للإجابة على أسئلة العصر الملحة.
ولذلك فإنني أتشرف يضيف معالي وزير الإتصال الأستاذ سيد محمد ولد محم بأن أفتتح الليلة أعمال ندوتكم هذه التي تتشرف بحضور علم من أعلام هذه الأمة وقامة من قامات الشناقطة السامقة علما وعطاء.
ورحب معالي الوزير باسم رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز وباسم الحكومة الموريتانية و عمال قطاع الإتصال بفضيلة العلامة الشيخ عبد الله بن بيه حفظه الله وأبقاه نفعا وبقية خير لهذا البلد وهذه الامة.
وعرف فضيلة العلامة عبر البسيطة بخدمته للدين وتجديده الفكري وله مؤلفات في فقه التجديد والمقاصد والأصول..
فضيلة العلامة أعطى في البداية نبذة على درب التأصيل والترشيد الذي هو سعي الجميع موضحا أن الحديث عن أي موضوع يستدعي تقديما بأسئلة المفاتيح متى أين كيف..، ويختلف أهل كل تخصص في طريقة تقديم هذه الأسئلة وهذا مما هو معروف، ونحن نطرحها من أجل البحث موضحا حفظه الله طريقة استعمالها في كل موضع من زمان ومكان..، وانطلاقا من هذه الأسئلة يمكن اتخاذ مدخل لدهاليس الأمور، ومعروف أن الدخول إلى علم التجديد يستدعي من العالم تقديم جملة من المفاهيم والحلول للزمان الذي وجد فيه أي على سؤال متى والعلماء لم يعرف التجديد، كما فعل الفلاسفة، لكنهم عرفوه من الناحية اللغوية، ويعد التجديد عملا متراكما، فهو جهد، لكن التجديد الذي وقف معه العلماء هو التجديد في الشريعة الإسلامية، فالشافعي رحمه الله يقول العلم علمان: علم اتباع وهو نقل الكتاب والسنة، وعلم استنباط
والتجديد لم يكن معرفا تعريفا كاملا فالتجديد ليس منفصلا عن الاصل وهو ربط دائم بين قضايا العصر واالشريعة فصولا وفروعا والمجدد تطلق غالبا علي العالم المتمكن من الاجابة علي سؤال متي المرتبط بالزمان، موضحا أن لكل لغة فن مفاتيح معينة لا يفهمه إلا أهل التخصص.
وبعض العلماء ربط التجديد بالإجتهاد، لكنني أرى أن المجتهد لا يمكن أن يكون مجددا إلا إذا أتى بأمور لم تكن معروفة، والمجتهد مرتبة قبل الإستنباط الذي هو الوصول الفعلي إلى معرفة مقتضيات الواقع، وإيجاد حلول لها انطلاقا من الشريعة الإسلامية.
ولهذا يضيف فضيلة العلامة حفظه الله فكرنا بأن العصر متغير والعالم متغير والخريطة متغيرة ولابد من إيجاد حلول لقضايا هذا العصر السياسية والإقتصادية والإجتماعية
فمهوم الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسلطة ومفهوم الدار، أي دار الإيمان أو الكفر، هذه المفاهيم تنطبق على واقعنا، وهناك أيضا مفاهيم جديدة اقتصادية واجتماعية المرأة المتعلمة مثلا هل يحكمها وليها، وهل هي خاضعة له.
ولذلك انطلقنا من خمسة مفاهيم من واقع عصرنا لنجد لها حلولا وهي المجال الإقتصادي والسياسي والإجتماعي والعلاقات الدولية والعلوم الحديثة، انطلقنا من الشريعة لإيجاد الحلول لهذه المواضيع فوضعنا خريطة واضحة لكل المسائل التي طرح الأقدمون، نعرضها على واقعنا ونجد حلولا لها تتماشى مع العصر، قال تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) صدق الله العظيم
ولإيجاد الحلول الملائمة اتحدت نخبة من هذا البلد مع نخب من المغرب والإمارات ومصر لتدارس الحلول المناسبة لعصرنا.
وبعد الثورات تخوشنا وأصبح السؤال أمامنا ماذا يحدث وقد حصل ما حصل من تخريب وتدمير وقطع للأرحام، وقتل للبشر والقدرة على ذلك، وكان البعد المكاني موجودا ومرافقا لهذه الثورات حيث تحركت في كل مكان والبعد الزماني طول المدة، ووصلت إلى العمق حيث مست الفكر وحدثت إنشقاقات إديوليجية من طهران إلى لبنان والحمد لله الذي عافا هذا البلد من نار الفتية.
قال تعالى(فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض) صدق الله العظيم هل ما حدث من انشطارات وتفجيرات هو ما يجب أن يحدث أم كان يجب إيجاد الحل عبر مقاربات أخرى، ويبقى سؤال لماذا هذا الوضع وهو سؤال عصي ومن يحاول الإجابة لن يكون مظلة وسيكون خصما وسيكون محكمة فلماذا تحمل العلة والسبب، وقد أشركنا فلاسفة وطالبنا منهم الإنتاج في هذا الموضوع وطالبنا من النخبة المثقفة إنتاج مشروع حتى لا ننتظر المرور بما مرت به أوروبى 200 سنة ولكي لا نعيش فكر من يروج أن التدمير يؤدي إلى التعمير.
وأوضح فضيلة العلامة إن الإسلام أراد السلم وحل الأمور بطريقة سلمية فالصلح بين الدول المتحاربة التي لا تنتمي لدين واحد مطالب به فالإسلام وضع مسطرة لحل النزاع مع العدو الذي يقاتلك قال تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) صدق الله العطيم.
كذلك الصلح يكون بين كل مختلفين الزوجين: قال تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) صدق الله العظيم
حتى الجرب بين الأعداء الإسلام يدعوا فيها إلى السلم، وأضاف فضيلة الإمام العلامة أن التنازل وقيم الإسلام الحكمة والعدل والمصلحة غابت عن الجميع متسائلا هل هذه الدماء التي تسيل من الحكمة، قد تجد شخصا مرتاحا مما يحدث وهذا أمرغريب، فهل ذلك الذي قتل مرتاح، ونحن نريد أن نحيي هذه القيم التي حث عليها الإسلام نحيي فقه الصلح والتنازل وننطلق من مبدأ التحكيم والإبراء الذي هو نهج سلمي، صحيح أن البعض يقول هذه بئة عالمية، لكن دعونا ندخل البئة الإسلامة على البئة العالمية، وإذا لم توجد أرضية ملائمة تؤمن نوعا من السلم والتآخي وطلب السلم حق للجميع والصلح يستدعى له، ما لم تخف فتنة، فالمذهب المالكي يقوم على سد الذرائع، وما سميناه فقه السلام وقيم السلام التي تقوم على الحوار وعدم القطيعة والتنازل، والحسم الآن ليس ممكنا لوجود أسلحة تبيد البشرية، ووجود إعلام أشد من السيف فأصبحت السلمية ليست سلمية لأن الشرر يتطاير منها، في هذه المؤتمرات لم نصل إلى جواب لكل الأسئلة، وننوي إقامة لجنة حكماء من الأمة الإسلامية توضح أن العنف ليس طريقا للجنة، ويجب على الفقهاء تبيين أن طريق الجنة هي السلام والمحبة في الله (لا تؤمن حتى تحابوا..) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلا بد من محاولة أن نعود إلى بناء السلام واستعادته ويجب على العلماء استعادة الدعوة إلى السلم، فالإمام أحمد يقول (لا تشقوا صف المسلمين..) والمراهنة على الزمن أولى من التدمير والتخريب، في هذه البئة والظروف شديدة الحساسية على المسلمين الرجوع إلى مقاصد الشريعة لإيجاد حلول مشاكلهم ونسأل الله تعالى أن ننقد الغريق ونطفئ الحريق وهذا ما نتعامل معه من أجل حل مشكل الأمة الإسلامية.
وبعد ذلك رد فضيلة العلامة على أسئلة الحضور التي دارت حول التجديد في علم المقاصد ومدى استطاعة العلماء وضع ضوابط للتجديد في الفقه المقاصدي فالمعروف أن لا مقصد إلا بدليل وإذا وجد الدليل لماذا نلجأ إلى المقاصد، إضافة إلى مفهوم الأخوة الإسلامية، وعن ضرورة الحوار مع الغير المطالب بها، لكن المسلمين اليوم بحاجة إلى بحث الأمر داخليا والحوار بينهم، وكيف استطاع الغرب توظيف خلافاته إيجابيا عبر الديمقراطية بينما فشلنا رغم حث ديننا الإسلامي على الأخومة، إضافة إلى مفهوم العالم فمن هو العالم.
وطبيعة الدور الذي يجب أن تطلع به وسائل الإعلام محليا ودوليا، لشرح منهج الحكمة الذي يدعو له الشيخ، إضافة إلى إرجاع أسباب ضعف الاخوة الإسلامية، إلى ضعف الإحسان وتربية النفس، وعن دور التمذهب في ضبط الفتوى دون تعصب
وأضاف فضيلة العلامة في معرض رده على الأسئلة أن الإجابة على سؤال المقاصد يحتاج إلى شرح طويل لكن نقول إن المقاصد هي الغايات ومرامي التي تهدف إليها الشريعة وقد تكون كلية ، كالضروري والحاجي والتحسيني وهذا إشكال محدد وهل يمكن أن نتحدث عن المقاصد دون الفقه وهل بإمكان المقاصد إيصال رسالتها دون الأصول فمسالك العلة جلها من المقاصد ، والكلي الأصلي كالمصالح سواء كانت مرسلة أو غير ذلك، أو استقرائي
وحول الأخوة في الإسلام قال فضيلة العلامة إن هذا المشروع هو ما يقومون بالعمل على نشر ثقافته التي باتت غائبة بعد قتل النفس وقطع الرحم، فالأخوة هي أن تقوم بتقديم خدمة لأخيك، أما المساواة فهي أن لا تضره
وقد يكون للقنوات والإذاعات التي تمتلك أداة التوصيل لعب الدور البارز في هذا المجال عبر فتح بابها للعلماء والحكماء، خاصة أن الإنشطارات وجدت مكانها وهدمت دولا وقسمت شعوبها
أما العالم فهو من يعلم، وهو في مصطلحنا من يعرف الشريعة، والمفتي في القديم هو المجتهد الذي يملك كل أدوات العلوم الشرعية وقد وضعوا شروطا قاسية للفتوى، بعد ذلك تنازلوا ليمنحوا الفتوى لعالم المذهب، وفي زماننا لا بد للعالم من التعلم والورع والإطلاع على واقع عصره.
وحول دور وسائل الإعلام قال الشيخ الإمام عبد الله بن بيه إن وسائل الإعلام بين هذا وذاك، هل يمكن أن تساهم في نشر فكر السلم يجب ذالك وقد أصدرنا توصيات بضرورة إنشاء قناة للحكمة لا ترد على سوء وتنشر السلم، وأنا على يقين أن الكثير من الاخوة الذين يحبون الخير سيراجعون مواقفهم.
وقال الشيخ إن الإحسان يعيد إلى الروح الأخوة والمحبة والتواضع، والتربية الروحية يحتاجها العالم الإسلامي ، ونحتاج إلى سلسلة من الافكار في هذا المجال لتقديمها للأمة
وحول التمذهب قال فضيلة الشيخ إنه يعلم التواضع والضبط ويعلم فقه الإختلاف والإستنباط وعدم التمذهب قد يؤدي إلى الاخذ بقول مجمع على فساده، أما إذا تحول إلى تعصب يصبح مقيتا وبغيضا.
وحضر الندوة وزيرا الإتصال والعلاقات مع البرلمان والشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي على التوالي الأستاذ سيد محمد ولد محم وأحمد ولد النيني ولفيف من العلماء والفقهاء والأئمة وشيوخ المحاظر، والاساتذة الجامعيون ولفيف من المثقفين في البلد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق